المدينة البيضاء

تبدو قريبة لكنها بعيدة

لقد مضى على وجودي في مدينة القدس شهرين من الزمن. طبيعة عملي تتطلب مني ان احضر تقريبا يوميا الى حبل الجهالين. حيث من ذلك الجبل حيث يقطن عرب الجهالين كانت دائما مشاهد اخاذه لصحراء يهوذا, والتي يتغير مشهدها مع تغير ضوء اشعة الشمس بين الصباح وعند الأصيل, احيانا تبدو بلون الرمال وتارة اخرى يغلب عليها اكتسائها بالحجارة مما داكنة. ما يستطيع المرء رؤيته في ذلك المشهد, صفوف من البيوت التي لا يستطيع المرء تعدادها لكثرتها, والتي تتكدس على سلسة جبال واحدة, تمتد الى الصحراء. تلك تكون بيوت ومساكن مستوطنة معاليه أدوميم, المدينة البيضاء.

معاليه أدوميم مع تعداد سكانها ال 30 ألف احدى اكبر المستوطنات التي تقبع على أرض الضفة الغربية. من أجل توسيع تلك المستوطنة قامت السلطات الأسرائيلية في منتصف التسعينيات بالترحيل الأجباري لبدو الجهالين من أماكن سكناهم ومراعيهم. في مثل هذا الوقت من السنة 27\كانون ثاني\1997 تتصادف الذكرى السنوية للترحيل القصري ل35 عائلة بدو جهالين ( تحت ظروف قاسية جدا, حيث كان الطقس بارد جدا,وعاصف وماطر, في يوم من ايام كانون الثاني), الى قمة الجبل حيث ما زالت تقطن تلك العائلات من عرب الجهالين حتى يومنا هذا. لقد قام الجيش الأسرائيلي بتوفير حاويات سفن للعائلات البدوية, حيث كانوا قد دمروا ممتلكات ومساكن تلك العائلات مسبقا. لقد تبادلت الحديث مع الكثير من شباب البدو, الذين ارادوا بالأشارة لي بأيديهم على تلك المدينة البيضاء بأنها هي المكان الذي ولدوا فيه. شابين اسرائيليين, تعرفت اليهم في حفل وداع لأحد المتطوعين الألمان في اسرائيل أخبروني كذلك بأنهم من مواليد تلك المستوطنة كذلك. حيث تحدثوا بشغف عن طفولتهم السعيد في ربوع معاليه أدوميم: مفتونين باماكن اللعب, الحدائق العامة كما والنشاطات الجماعية المختلفة.

ذات يوم وفي الصباح الباكر بينمام كنت انا على مدخل مستوطنة معاليه أدوميم, تستقبلني نقطة تفتيش عسكرية اسرائيلية, حيث زرعت اشجار النخيل على جانبي المدخل الواسع للمستوطنة, والتي تؤدي الى صفوف من البيوت التي بنيت على حافة الصحراء . تلك البيوت المصطفة ذات اللون الأبيض, بسقوفها الحمراء. لقد كان السير بين تلك البيوت على تلك الطريق وبمحاذاتها متعة, لكنها تجعلك تحس بالغربة في آن واحد.